ابن قيم الجوزية
126
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
صنعته ؟ ولا لشيء لم أصنعه : لم لم تصنعه ؟ وكان إذا عاتبني بعض أهله يقول : دعوه ، فلو قضي شيء لكان » . فانظر إلى نظره إلى القدر عند حقه ، وقيامه بالأمر . وقطع يد المرأة عند حق اللّه . ولم يقل هناك : القدر حكم عليها . وكذلك عزمه على تحريق المتخلفين عن الصلاة معه في الجماعة ، ولم يقل : لو قضي لهم الصلاة لكانت . وكذلك رجمه المرأة والرجل لمّا زنيا . ولم يحتجّ في ذلك لهما بالقدر . وكذلك فعله في العرنيّين الذين قتلوا راعيه ، واستاقوا الذّود ، وكفروا بعد إسلامهم ، ولم يقل : قدر عليهم ، بل أمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف ، وسمرت أعينهم ، وتركوا في الحرّة يستسقون فلا يسقون ، حتى ماتوا عطشا . إلى غير ذلك مما يطول بسطه . وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أعرف باللّه وبحقه من أن يحتج بالقدر على ترك أمره . ويقبل الاحتجاج به من أحد ، ومع هذا فعذر أنسا بالقدر في حقه . وقال : « لو قضي شيء لكان » فصلوات اللّه وسلامه عليه . فهذا المعنى الثاني - وإن كان حقا - لكن ليس هو من شرائط التوبة ، ولا من أركانها ، ولا له تعلق بها ، فإنه لو لم يقم أعذارهم في إساءتهم إليه لما نقص ذلك شيئا من توبته ، فما أراد إلا المعنى الأول ، وقد عرفت ما فيه . ولا ريب أن صاحب المنازل إنما أراد أن يعذرهم بالقدر ، ويقيم عليهم حكم الأمر ، فينظر بعين القدر ويعذرهم بها . وينظر بعين الأمر ويحملهم عليها بموجبها . فلا يحجبه مطالعة الأمر عن القدر ، ولا ملاحظة القدر عن الأمر . فهذا - وإن كان حقا لا بد منه - فلا وجه لعذرهم . وليس عذرهم من التوبة في شيء البتة . ولو كان صحيحا - فضلا عن كونه باطلا - فلا هم معذورون ، ولا طلب عذرهم من حقائق التوبة . بل التحقيق : أن الغيرة للّه ، والغضب له ، من حقائق التوبة . فتعطيل عذر الخليقة في مخالفة الأمر والنهي ، وشدة الغضب : هو من علامات تعظيم الحرمة ، وذلك بأن يكون من حقائق التوبة أولى من عذر مخالفة الأمر والنهي . ولا سيما أنه يدخل في هذا : عذر عبّاد الأصنام والأوثان ، وقتلة الأنبياء . وفرعون وهامان ، ونمروذ بن كنعان ، وأبو جهل وأصحابه ، وإبليس وجنوده ، وكل كافر وظالم ، ومتعدّ حدود اللّه ، ومنتهك محارم اللّه . فإنهم كلهم تحت القدر ، وهم من الخليقة ، أفيكون عذر هؤلاء من حقيقة التوبة ؟ فهذا مما أوجبه السير في طريق الفناء في توحيد الربوبية ، وجعله الغاية التي يشمّر إليها السالكون . ثم أيّ موافقة للمحبوب في عذر من لا يعذره هو ؟ بل قد اشتد غضبه عليه ، وأبعده عن قربه ، وطرده عن بابه ، ومقته أشد المقت ؟ فإذا عذرته ، فهل يكون عذره إلا تعرضا لسخط المحبوب ، وسقوطا من عينه ؟ .